محمد الغزالي

80

خلق المسلم

ينبغي أن يسائل المرء نفسه قبل أن يتحدث إلى الآخرين : هل هناك ما يستدعي الكلام ؟ فإن وجد داعيا إليه تكلم ، وإلا فالصمت أولى به وإعراضه عن الكلام حيث لا ضرورة له عبادة جزيلة الأجر . قال عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه : « والذي لا إله غيره ما على ظهر الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان ! ! » « 1 » . وقال عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما : « خمس ، لهم أحسن من الدهم الموقفة « 2 » : لا تتكلم فيما لا يعنيك ، فإنه فضل ، ولا آمن عليك الوزر . . ! ولا تتكلم فيما يعنيك حتى تجد له موضعا ، فإن رب متكلم في أمر يعنيه قد وضعه في غير موضعه ؛ فعيب . . ! ولا تمار حليما ولا سفيها فإن الحليم يقليك ؛ وإن السفيه يؤذيك . . ! واذكر أخاك إذا تغيب عنك بما تحب أن يذكرك به ؛ وأعفه مما تحب أن يعفيك منه . . ! واعمل عمل رجل يرى أنه مجازى بالإحسان ، مأخوذ بالإجرام » « 3 » . المسلم لا يستطيع هذا إلا إذا ملك لسانه ، وسيطر على زمامه بقوة ، فكبحه حيث يجب الصمت ، وضبطه حين يريد المقال . أما الذين تقودهم ألسنتهم فإنما تقودهم إلى مصارعهم . * * * إن للثرثرة ضجيجا يذهب معه الرشد ، وأكثر الذين يتصدرون المجالس ويتحدر منهم الكلام متتابعا ، يجزم مستمعهم بأنهم لا يستمدون حديثهم من وعي يقظ ، أو فكر عميق ، وربما ظن أن هناك انفصالا بين العقل وهذا الكلام المسترسل ! . والمرء حين يريد أن يستجمع أفكاره ويراجع أعماله يجنح إلى الصمت ، بل إنّه حين يريد أن يبصر نفسه ويرتب ذهنه ، يفر من البيئة الصاخبة إلى ريف

--> ( 1 ) الطبراني . ( 2 ) الموقف من الخيل : الجيد منها . ( 3 ) ابن أبي الدنيا .